Sunday, November 18, 2007

MONODRAMA

قربان البيانات وصعود الكائن

مونودراما مسرحية



(ينفتح المسرح عن مساقط جانبية للضوء وشبه عتمة وثمة مقدمة سيارة غائرة في الرمل ..يتقدم كائن موشح بالسواد ومع تقدمه تظهر صور سلايدات هي خليط من الأنفجارات وملامح الآلهة العراقية القديمة ومقاطع خليط من الشعر وملامح من بغداد القديمة ووجوه آلهة بابلية وصوت ريح عاصفة ...............يتقدم الكائن المتشح بالسواد الى ركن في المسرح وتظهر ملامحه ........يقترب من مكان السيارة الجاثم مايدل على انها سيارة في الرمال ....)
الكائن : في الطريق ..في الطريق اليك ...في الطريق اليك ...في الطرق اليك ...في الطريق اليك ....كنت استعيد طفولتي ..استعيد مع تلك الذكرى وجوها محتقنة امضها عناء الترحال في الفيافي ، لم تكن تائهة ولا مشردة بل كانت تريد ان تصنع جنة ارضية مفقودة من مادتك الخام ، من نسغك ومن صلصالك ومن حمأك المسنون من زكي طلعك ومن شهد صغارك ، وكنت مع اولئك المشردين الدراويش ،
(اصوات مختلطة لترانيم واهازيج شعبية وهوسات ...)
كان ابي في العتمة لست اراه لكنني تسللت بين الصفوف وعرفني وضمني اليه وسط الجلبة ، ضمني الى صدره كما لم يضمني من قبل وصاح في الناس : ياايها الناس هذا صبي يعشق وطنا صنعه من طين اصطناعي وجاء به الى محفل الدراويش ، كانوا ثوارا يافعين ومردة عاشوا على يقين عذري وتبتل نذروه لزفاف الوطن الى اهله .. وظلت تلك الصورة النشطة في مخيلتي تتكون من ظلماء وثوار كالدراويش عاشوا وماتوا فقراء ماقطعوا شجرة ولا اثكلوا امرأة ولا يتموا صبيا ولا نهكو ا عرض فتاة من الوطن ..
لكن الصور السريالية تلك تتابعت الى مخيلتي وسط نعاس طويل ..طويل وانا في طريق بري اليك من اقاصي الأرض وحتى تخومك ..وعدت اليك بالحناء والخزامى وورد الآس وقلت سينشق غبار الصباح عن وجهك وسألوذ بك كما لذت بأبي منذ ربع قرن اويزيد في الظلماء ..قلت سأتنشق شذاك مثل صبي اخرس وارفع سبابتي في حضرتك دون معنى وستعرف مااقصد وستمسح عني عذابات الرحلة .
كنت ادري وانا عائد اليك انك مثقل بجراحات وغربة وانك خرجت من نفق طويل من المجهول ولكن لتدخل مجهولا آخر لكن لابأس سنداوي جراحاتنا كلها .
في الطريق اليك كنت ارقب سائق حافلة شبه شارد وغير معني بطقوسي وهرطقتي وتعاويذي في ذلك الليل الشاتي اذ كان بين الحين والحين يفتح النافذة فتارة يتجشأ واخرى ينفث دخانه في وجه سحابك ... قلت له مااكثر دخانك ياصاح ... ضحك من قلبه .. وكفكف دمعة من شدة الجذل .. وقال: لم يعد لكم من وطن يذود عنكم الدخان .. وانا الذي اقود الحديد والبأس الشديد في هذه البرية .. لي البلاد ورقاب العباد ...
(اصوات قصف طائرات ومدافع واضواء خاطفة ودوي انفجارات ..الكائن يحتمي ...يخفي رأسه ..يتوارى خلف حاجز الرمل ...ثم ينهض مع انخفاض صوت الدوي ينهض الكائن تدريجيا مع صعود صوت النشيد : )
النشيد : هل اراك ...هل اراك ...هل اراك ... هل اراك .... هل اراك ... هل اراك ...في علاك؟
الكائن :كان سؤالا كارثيا تم تلقينه للصبية في المدارس ...هو الشك الديكارتي وبقيا اسوداد معرة النعمان ..تلك الفوبيا الفاجعة : انكم ايها الصبية في شك منه مريب ... انكم قد لاترونه في علاه ...ولا وهو يبلغ سماه ...

لماذا ..حالوا بينك وبيننا مذ كنا صبية صغارا وانكروا علينا ان نراك في علاك ولانراك الا وانت تتخبط وسط نجيع اولادك الصغار ..لماذا ؟
لماذا صادروا حقك ان تصعد الجلجلة وتموت بنا ونحن في حضنك فرادى وجماعات .؟
لماذا اوحش المعلم الدرب امامنا وقال انها اشواك وحجارة ...
وقلت في نفسي هي طريق العلماء والأنبياء ..ولكن اينهم في هذه الصحراء المترامية اينهم ؟ وانا اناجيهم كي اراك في علاك .. جئتك بعد عقود كي ارتقي معك ..كي نصعد معا ..بعدما نزلنا معا ..
ولكن من اكون ايها الوطن ؟
من انا ؟
انت لاتعرفني ... فلست كبيرا ولاصغيرا ولا عالما ولا جاهلا ..ولاظليلا ولا حافيا ولاظالما ولاقاطع طريق .ولا .. ولا .. ولا .. ولا
ولكنني في العتمة استرجعت كيف ضمني ابي وصاح : ياايها الناس ...وكان معشر الدراويش يرددون ترانيمك مرارا مرارا .. وعلمني كبيرهم تلك اللغة التي غدت منقرضة .. ولم يبق منها الا تعويذة اناجيك بها اذا ماضاقت بي السبل ..
وصرخت فيك كما لم اصرخ من قبل ..صرخت عبر القارات والمحيطات وعبر وجوه اليتامى والغرباء من اولادك ..ياوطن ..يارهين المحبسين ..محبس العام 1991 ومحبس العام 2003 ومابعده ..الى اين انت ماض في دهماء محبسك الطويل..الطويييييييييييييييييييييييييييييييييل في لياليك التي تتنشق فيها عذاباتك صامتا تبتلع جرعات النار والشقاء وترفرف مثل نسر جريح في فضاء قاتم تتابع فيه قوافل اولادك الماضين بصغارهم ولواعجهم واشعارهم وعذاباتهم ..ماضين من دفئك الى زمهرير الفضيحة ..زمهرير الغرباء عبر القارات ..صاروا وشما ناتئا في المطارات وصاروا ايقونة في قواميس المهربين وصاروا اسطورة في سجلات هيئة الأمم وصاروا فيضا بشريا بأجنحة ومناقير يفرون من اوجاعهم وغربتهم اليك ..ياوطن ... الا... متى تخرج من محبسيك ..الا ...متى تعود الى فراديسك الصغيرة ؟ الا.. متى ؟ الا ..متى ؟ الا.. متى ؟ متى نراك في علاك ؟
لكنك في محبسيك ياوطن رهنوا فراديسك الصغيرة حتى تتخلى عن ابنائك وحتى تسلم تاريخ الكلمات والأشعار بديلا بطلاسم وتخاريف ورقصات غجرية وطواطم حجرية ومدافن في الصحارى والفيافي والقفار وحتى تنطق كلمة الحق في محبسيك انك لاترى .. وانك سعيد بالعمى العظيم الذي جادوا به عليك ... اذ شوشوا بصيرتك وحفروا بآلاتهم الجارحة روحك السمحة .. وغذوا الامك بآلام اخرى كي تنسى ابنائك وتعوم في محبسيك في خرافة الفيلسوف ..(يتمثل الكائن هنا شخصية ابو العلاء المعري :رهين المحبسين في ازدواج مقصود )فترى مالانرى وتسمع مالانسمع وانت هنا او هناك في المحفل المعتم في زنزانة الكلام ...
في تلك الفسحة الصامتة رأيتك كما لم ار من قبل اوطانا ارهقتها الكلمات والأناشيد ..اوطانا ارهقتها المواثيق والعهود وطوابير الفقراء ...
في الطريق اليك شاهدت الشريط السينمائي الطويل : في الصباح ومع اذان الديكة يخرج الأولاد حاملين فؤوسهم وسكاكينهم ونارهم وحديدهم وبياناتهم ولفافات دخانهم واهواءهم وعذاباتهم وطيشهم وتصعلكهم ونزقهم وانسدادهم ليعلنوا ان ماكان قد كان وما هو آت آت ...فالبيان الأول فالبيان الثاني ...وحتى البيان الأخير والوطن يرقب ابناءه وهم ينقلبون على بعضهم البعض يخونون بعضهم البعض ويكرهون بعضهم البعض ..ياوطن ..ياليلك الجديد ونهارك القديم ..اولادك الصيد :يريدونك وطنا خاصا بهم ..هل ثمة انانية وطينة ياوطن ؟ هل يمكن احتكارك ؟ هل تتحول الى رصيد مجمد في بنك الكلام ؟
اسمك جواز المرور الى طوابير الفقراء هذا ماشاهدته في فليمك ياوطن ..تدفق اولادك الفقراء حفاة غرثى صائحين :ياحيهلا ...ياحيهلا ..ياحيهلا ...وطن في عرسه الجديد ....وكرت قوافل المن والسلوى في الى كل فج وصوب وكل حضر ومدر وشاهدها العامة مع انشقاق الأقمار الجديدة ..كانوا يتجمعون في كل افق برتقالي لالشيء الا ليرون قوافلك الأفتراضية ومنك وسلواك ...صاموا دهرا ..وصبروا وتلذذوا بأحلامهم على امل انقلاب في المعنى :
(سنراك في علاك ...سنراك في علاك ...سنراك في علاك ..بالغا سماك ..................)
وظلوا يرمقون صعودك ..صعودا الى قوافل السراب ..ومواكب الأنين الطويل ..................................
(اصوات الجوقة ...............)
حي ...سفربرلك ...
حي ....جهادية .............
حي ....حرب على الأعداء..........
حي ....حرب على الخونة .................
حي ....حرب على الأستعمار .....................
حي ....حي حرب على الرجعية .........................
حي ....حرب على ...............................................
حي ............حرب على...................................................
الكائن : ومضيت محني الظهر ....مصدقا ابناءك ..متعففا راضيا بهم وهم يكبرون في افيائك ..وتحت وارف نعمتك .,.وقلت سيرشد الأولاد ويبلغون الحلم ...وسداد الرأي ويكفون عن دسيسة البلاط والصولجان وفتنة الحاشية ...وغذيت اولادك الطيبين نسغا من امانيك المرفرفة الشفافة الخالصة ...
وانتظرت رشدهم ...حتى اكتهالهم ...
لكن الجوقة ظل صائحها يصيح .........................
(الجوقة)
حي ...حي
حي...حي..
حي ...حي .....
وملئت الآفاق بالعويل ...
ملء الزمان والمكان بأوجاع العامة ...
وورث الأولاد ترانيم الفقدان ..
ونزول دموزي الى العالم السفي ....
والنحيب الليلي لأينانا ...لايتوقف ...........
ياأرض السواد طبت وطاب ليلك ونهارك وافقك وارضك وسماك ..............
الكائن : ايها الناس ...اليكم البيان رقم واحد .........................ايها الشعب العظيم .........ايها الشرفاء في كل مكان
وبعده النشيد ...
وبعده النعوش .............
والتابوت ....فيه سكينة من ربكم .............
وورث الأولاد توابيتهم عابرين متخفيفن ...............
لن نراك في علاك ربما (وهم يحملون توابيتهم على كاهلهم )
لن نراك في علاك ربما .....................
وتنزل ياصاح الى تابوتك النحاسي ..تابوت الأناشيد والكينونة الجديدة .........
في الطرق اليك وعبر السراب وسجف الخراب القديم ...
ينقطع الشريط وامضي ...في ليلك الحالك وانا ارى الحشود تجر سجف الظلام وينشق افق ما قرب بيتي ...
كي ما اتنشق بعضا من نعمائك واحلامك ..............
في الطرق اليك ..قال المذيع ...الى هنا نأتي .......وتصبحون على خير .......
(يحمل الكائن هيكل تلفزيون يضع رأسه فيه ويدور معه دورات عدة ..ثم يجلس قبالته على الأرض ويردد J
بيان ...
بيان ...............
ايها الشعب .........
ايها الناس .............
الى هنا ..نأتي الى نهايتكم ..وتصبحون على ....................................
.وناموا ...........
واستيقظوا ....
ثم ناموا ...........
ثم استيقظوا ..........
ثم ناموا ............
ثم استيقظوا ............
تصبحون على خير ...........
على خير .................................على خير .............
ولكن في الطرق البرية اليك كنت اناجيك ياغلام ...يافتى ممشوق الكينونه ...على خير ...يابهي .....
لكني كنت ارى الندوب وآثار الطعنات ومواضع السكاكين في سائر جسدك ..
وكنت تقول لابأس سنصبح على خير ...........
والأولاد سيرشدون ...ويكفكفون آلام الماضي لنبدأ من جديد ...........
في الطريق اليك كنت انشد لك كينونة.......... اخرى........ امان امضها العناء واثقلتها الرحلة .....
لكنهم ناموا عنك واغلقوا فصول المواثيق ..وصاح صائحهم :سنبدا من حيث انتهينا ...........
(تظهر في زاوية ملامح العلم العراقي )
يارهين المحبسين ياوطن : ثلاثةايام من الرحيل اليك ..كما هي الوان ساريتك في عليائك ونحن نتطلع اليك طالعا الى علاك اسوداد ..واحمرار ..وابيضاض ....ثلاث........ ثلاث ...........ثلاث ..........ثلاث
(ثلاثة ايام هي الدهر كله
وما هن غير الأمس واليوم والغد )
.............ياوطن...يارهين الدهر كله ..........قادم االيك بجثمان الزمان العتيق العتيق ...
قادم اليك بترانيم دموزي ..في الف وجه لدموزي ..كلهم دموزي ...يارهين المحبسين ..كم الف دموزي مروا على قربان البيانات ..منذ الف الف الف الف ..ياوطن ....
(تظهر تفصيلات اما بواسطة العرض الخلفي (باك بروجكشن) او بنزول ديكور من اعلى يدل على معبد دموزي وحضارة سومر )
الكائن (مواصلا ): بيان السعادة ...
بيان الرحيل ......
بيان الأمل ......
بيان الثورات .....ثم بيان بأمر البكاء عليك ياالف دموزي ...........
من يبكي ..بل هم المغنون والهتافون والراقصون والطبالون ......
ضحك ...كالبكاء ...وبكاء ...كالأماني .........
ازواج يضربن الدفوف على مقدم ...موات ...دموزي ...نزوله الطويل الطويل ...من اجل اينانا ..من اجلها ياوطن كفكف دموع كل اينانا في ارضك وايقظ كل دموزي من محبسه المعتم الطويل ......................

(صوت الكائن مع صوت مضخم كخلفية لما يردده من ترانيم نزول دموزي ):

أمرُّ بكاء الدنيا نبذله على زوجها. من أجل إنانا، أمرُّ البكاء نبذله على زوجها. واحسرتاه على زوجها، واحسرتا على فتاها. واحسرتاه على بيتها، واحسرتا على وطنها. على زوجها الغائب ، على فتاها الحبيس. على زوجها الراحل، على فتاها الراقد. على زوجها الغائب، من أجل أوروك، في الأسر. قد مضى فتاي يطلب الماء، ولكنه أُسلِمَ هناك إلى الماء.

الكائن : في الطريق اليك ..كانت قوافل اينانا في البرية تنشدك راعيا للرحيل الجديد نحو دموزي :إنانا تبكي بكاءً مرًّا على زوجها الفتى: "اليوم قد قضى زوجي الحلو، زوجي قد قضى. اليوم قد قضى فتاي الحلو، فتاي قد قضى. لقد مضيتَ، يا زوجي الحلو، إلى زرع البواكر. لقد مضيتَ، يا فتاي الحلو، إلى زرع الأواخر. قد مضى زوجي إلى الزرع، ولكنه قُتِلَ بين الزرع.

قادم انا في الهباء في السراب نازل الى رحم ارضك ياوطن ..طالع اليك في عليائك وامانيك وتواريخك وتحولاتك ...
(يتصاعد بالتدريج دوي يدل على الحرب او اصوات ناقلات ضخمة وصراخ ثم اصوات قصف ..يخرج الكائن رافعا يديه ..ياوطن ..انا دموزي لست نازلا بل طالع اليك ...يظهر مايدل على اغتيال الكائن من صوت رصاص او رصاصة واحدة ويسقط ..ليمر حشد من لابسي السواد يحملونه وتعم العتمة في المكان) .
..................................................................

· البيت الشعري من ابي العلاء المعري
· والمقاطع من نص سومري لموت دموزي في الأسطورة القديمة

(نهاية)

بروكسل
تموز يوليو2007


Thursday, September 13, 2007

احدث نص
طيور المساء
في الوقت نفسه من العام، في الذكرى التي تمر هكذا، بكل صمت ووقار، في الوقفة الجليلة التي عليه ان يقفها الآن. هو وسلالته وتاريخه. شجرة العائلة من خلفه وصورته على المرآة امامه. وشعاع النور القادم من النافذة يصبغ جانبا من وجهه.
لايدري في اي عمر هو الآن. لكن المؤكد انه الوقت نفسه من العام ، الظهيرة الشاتية، والليل المطير ، والذكرى.
حفل المساء بمسيرة العسكر ، ومرقت البساطيل من امام النافذة صعودا الى الطبقات والسطوح العليا. مر العسكر على المكان وكانت همهماتهم وقعقعة سلاحهم تمثل جوقة اعادت اليه الذكرى نفسها.
الورقة الملوثة ببقع الحبر طمست خارطة المكان المنشود. وهاهي امامه قد اختفت تحت طبقات التواقيع اسهم الأتجاهات. وارقام الهواتف التي عليه ان يتصل بها حال هروبه من المدينة.
اوان الهروب كانت لحظة دقت فيها الساعة معلنة قدوم العسكر وتسلقهم الجدران واستقرارهم في الحجرات والممرات الداخلية.
كان ليل كانون الذي حمل له الذكرى قد حمل معه احساسا جامدا هو مزيج من الرغبة في الخروج والرغبة في التماس الدفء. .
لاسبيل امامه للأفصاح عن حواسه وكينونته. ولا التعرف على ذاته وعمره. سوى انه مؤطر بمربع مغلق لنافذة ربما كانت في قارة من القارات ، في بلقع او فلاة ، في مساحة مقفرة وجافة ، او حتى مدينة من مدن المنفى الأختياري. اللاجئ السياسي ورقمه (11111) ودفتر تنظيمه وشهود الوقائع. مرت وجوه الخبراء من امامه. كما مرت قامات العسكر. النزول الى الأرض تكاملت مع تقادم الحشود على الشاشات احتفاءا بالرايخ الرابع ، الكل يساوون الكل ويؤمنون بالطريق والثورة والتاريخ. الشاشات تحمل اخبار اللقاء المشهود. الأولاد الصغار مثل رسوم متحركة يلوحون بباقات الزهر ، الأمهات هناك عند قدور الطهي.
حشد من النساء بوجوه موردة. نساء بدينات وأولاد اصحاء في ساحة الرايخ الرابع. مجرد فيلم على الشاشات. .
اما هو فقد كان لصيقا بموسوعة يجري احضارها : الطريق الى الأمة.
مر العسكر قرب النافذة. كانت بوصلة الأتجاهات قد اشارت الى كتل الحديد والمغناطيس والزئبق والفوسفور. تأثرت البوصلة بالأجواء الكهرومغناطيسية ، فيما هو يرمق الشاشات بلا ادنى رغبة في الأنفصال عن الجدار. .
السواد الذي غلف كيانه. كاملا بعد ذهابها والجدار الأبيض الذي تم دهنه مؤخرا. قبيل ذهابها بقليل. .
كان مطلبا من مطالب عدة. ان تمحى التواقيع والأسماء والتعليقات والرسوم والرموز من الجدار ويدهن بدهان ابيض.
وها هو نموذج داكن تماما على جدار ممتد ليفصل المكان عن ساحة الرايخ الرابع والشاشات وعن الأمهات البدينات وعن.
مرت الذكرى. وتغلغلت في المكان. وكان عليه ان يعيد رسم اي شيء يدل عليه.
انا. عابر سبيل. ياسيدي.
انا اعيد استذكار. .
من ؟
الأجندة تقول انه كائن داكن. خرج من حرب ما. هكذا.
المخلفات التي وجدت عنوانها : الطريق الى الأمة. الأولاد الصغار الذين يعرضهم خرجوا الى ساحة الأستعراض وظهروا على الشاشات ثم غابوا. وهي احتضنتهم مثل كل ام. وغابت معهم. بعد ما بقي هو متشبثا بالجدار. غابت ربما هي في اسكندنافيا. او قريبا من القطب المتجمد. .
مرت بساطيل العسكر عبر النافذة. وتصاعد صوت الطبول وأبواق الأستعراض. مرت قافلة من طيور المساء.
انفتحت النافذة ومرت بساطيل العسكر بكثافة الدود الذي يسير على ذراعيه وهو يدب في الذاكرة واهنا ساكنا. البوصلة تدور بالقرب منه والجدار الأبيض تملؤه الثقوب.
في المساء الخريفي اسدل الستار واوصدت الأبواب والبوابات الخارجية ومر حشد من الأباطرة ثم نزلوا عبر سلالم حلزونية الى مساحة من اسفل المباني المكتظة. مساحة كانت بالأمس مستودعات لمجتمع المكان وصارت اليوم متحفا للتاريخ.
وانتشر موظفون وموظفات نشيطون بأزياء موحدة. وكأنهم جزء واحد متحد مع الألات والأجهزة.
لم يكن مهما التعرف على اللهجات واللغات والملامح والأزياء فقد كان المشهد شبه كرنفال لأمم واقوام متعددة. بينما كان العسكر من حوله وهو يغيب تماما عن المشهد
.
اللوحة : مهداة من الفنان التشكيلي العراقي ستار كاووش

Sunday, September 9, 2007

الرحيل المر

الرحيل المر...قصة وطن يلفظ ابناءه



لأنه هكذا ..اسمه ال ........ عراقي
هكذا ..ليست اسطورة ولاحكاية قبل النوم بل دمغة على الجبين............. فاقبلها ايها الكائن
ومضى كما يدرج كل كائن في سيرورة مغلقة على اسراراها
العراق هو العراق والدولة هي الدولة وانت هو انت لااكثر ولا اقل
انت هنا او هناك في صقع او بلقع اوفلاة او بر او سهل اوجبل موشوم بالضرائب كما هي الدمغة على الجبين
الضريبة الأولى : هي ضريبة القبيلة / الدولة...والقبيلة مجازا هي (غزية)...
وهل انت الا من غزية ان غزت ..غزيت وان ترشد غزية ترشد
تحمل معول الهدم ساعة شاء سادتنا وكبراؤنا
وتحمل معول البناء ساعة شاؤوا
(وقالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا . ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) الأحزاب 67-68
ولكن من انت ..وفيم انت ؟
ماموقعك في الخريطة الجينية للوطن المجهول ؟
ساعة غزت القبيلة/ الدولة وحملت روحك صافية هدية للقبيلة / الوطن
وما وجلت ولاارتعدت فرائصك ولسان حالك يصرخ : كلنا للوطن
وحاربت ...... حاربت طويلا وطويلا جدا
حتى امتصت الحرب آخر رحيق فيك وخلفت فيك الشيب وعلامات الشيخوخة
ويومها قلت كما قال الصائغ :
(تعبت من الجري خلف المواكب
سلاحي على منكبي وابحث عن سبب لأحارب .....)
ياللهول ..هل مفرقة الأهل والعيال ومخربة الديار ومقطعة الأكباد ومشردة الصغار..الكريهة ..الحرب كما سماها العرب الأوائل ..هي كما هي ..مجرد سبب لكي يصدر البيان الأول ؟
مرة ...قبل حين تفقدني شبه صديق ..وارسل لي ايميل ..
فتكاسلت عن الرد ..كما ان ذاك الكائن يذكرني بحقبة سوداء اريد ان امحوها من ذاكرتي ..كما اني اتذكر له كلمات ومواقف اريد ان انساها ايضا............
ولكن يبدو ان العقل الممنهج على خوض الحروب حتى مع النفس يأبى الا ان يمضي الى مساره
اذ ارسل لي ذاك الرجل ايميلا لاحقا ابتدأه بالحمد والتسبيح ثم بآية قرآنية ثم اعلن قراره بشأني...الى آخر القرار
لكنه كان قرارا يشبه بيانات الحرب تماما : الديباجة ، الآيات المفصلة المختارة خصيصا وبعناية بحسب الحاجة ، ثم القرار...
واذا ..لقد تلبست الحرب وبياناتها وديباجاتها في الكائن الشرس المريض
وهكذا ..
صحا الكائن المسالم على انفضاض الكابوس ..كابوس الحرب
وظن واهما وأي وهم ..ظن انه ساعة انفضاض الحرب سيكرمه الوطن ويعزه
يبني له صرحا يسميه بأسماء المحاربين الشرفاء الأشداء
ثم تنازل عن الصرح ورضي بمنزل صغير ولو في فلاة ..يضمه مع امرأة طيبة واولاد كحمائم السلام
ثم تنازل عن البيت في البرية الى عمل لائق بكرامة المحاربين
ثم تنازل عن هذا ..ورضي ان يقال عنه انك محترم وكريم ..وتستحق التكريم والأحترام
ثم .............
ثم..............
ثم..............
وجد الوطن منهوبا ممزقا ..لايقوى على لملمة ذاته الحزينة
ووجد ان حروبه ..وكبرياءه القديم كانت اضحوكة سمجة
وعليه اليوم ان يغادر الوطن الى غير رجعة ...
..........

في وسط هذه التراجيديا ..وعلى شفير اللحظة التي يلفظ فيها الوطن ابناءه ..كتبت له ..الى الحب الأول والآخر ..الوطن ... الجرح الذي لايندمل ..العراق ..قلت له :
( قبل عامين او ثلاثة اعوام من الآن
كنت اقطف السوسن
اصنع قلائد من اجل جيد الوطن
حسبته ارجوحة للعامة
ومرضعة تطوف الأماكن
حسبته بغلا او حمارا يحمل اسفار الغرباء ..ابناءه
حسبته ابا مفتول الشارب يلوح بعصاه للتاريخ
حسبته اما تدور مع دائرة الرغيف
قبل عامين من الآن
رأيت الوطن معلقا على الجسر المعلق
وقلت : ستحط قوافله
وتدب صغاره
يعبرون الجسور المقطعة الى المدارس
رأيت الوطن على ابواب وزارات محترقة
نحيلا يمد يده للسماء
وقلت ستصدق وعود الآباء المؤسسون
وستصدق نيويورك تايمز ...
وستصدق سي ان ان...
وستصدق يو اس اي تودي ...
وستصدق بي بي سي ........
وستصدق ... وستصدق ....
ورحت اطعم الوطن كلاما
واسقيه خطبا
ونمت معه على ارصفة الثورات
تدثرنا بالرضا
واكتفينا بحسن النية
لكن الوطن المعلق ظل معلقا
والآباء المؤسسون علموا الوطن اصول النفاق
سرقوه ...وهو يمد يده للسماء
وحيدا ..كان يتطلع في الفراغ ......)

..........................................................................

من هنا بدأت رحلة المستحيل
لاجديد في القول ان كل هذا جرى غب 1991
اصدقائي الكثر في العديد من ا لمنافي لفظهم الوطن منذ ذاك التاريخ
ومسخ السلاطين اسماء الأولاد الطيبين الى صعاليك يترنمون بخراب وتآكل يمضي في جسد الوطن منذ
1991

في الرحيل المر:

هو برنامج / فيلم وثائقي عرضته احدى الفضائيات قبل ايام يقدم صورة بانورامية لأولئك الذين لفظهم الوطن دون ذنب وتنكرت لهم كل الحكومات منذ عقود وحتى اليوم ...تنكرت لهم هذه الحكومات يوم احتقرت آدميتهم وسلبتهم حقوق المواطنة
مشهد 1: رجل اقترب من خريف العمر يروي قصة تهجيره ويحاول ان يستجمع كلماته واحاسيسه ليقول : احب العراق ..ثم تختلط كلماته وحروفه بنشيج مر وتطفر دمعة حرى على الشاشات
مشهد2: شاعر يحكي حبه لجواز سفر الوطن ..وكيف انه يتنقل على ابواب السفارات منذ سنين في لهجة بالغة القتامة والأسى وصدق الأحساس...
مشهد 3 : رجل يحكي قصة طفله الذي احرقت جسده قنبلة حارقة ابان الأحتلال وانه اجرى للطفل عشرة عمليات جراحية : ازيل في احداها التصاق وجه الطفل بكتفه ، وفي الأخرى جعل ذراعه قابلة للحركة ..لكن وجه الطفل البريء المصاب بحروق فضيعة يحول دون التحاقه بالمدرسة ..كما ان الأب استنفد ماله من اجل اجراء عملية اخرى ..ثم يبكي
كلهم بكوا .....
كلهم يبكون ....على الشاشات
ترى لماذا صارت دمعة هذا العراقي اكثر من رخيصة امام انظار العالم اجمع ؟
لماذا تحول الرجال المحاربون الأشداء بالأمس الى طالبي رحمة هذا الكون ؟
في الرحيل المر ........
كان هنالك عرض بانورامي شاسع لمجتمع النزوح والشتات العراقي
مجتمع يمضي الى غايته المجهولة في كل منفى
لكنه في المنفى السوري اشد مرارة
ففي وقت بلغ تعداد هذا النزوح المليون ونصف المليون تقريبا
قبلت الولايات المتحدة.....مثلا ... استضافة بضعة مئات بشرط ان يكونوا علماء وبشهادات عليا من جامعات عالمية ...
........

الكل من ابناء يعرب قلبه على العراق
ولكن قليل جدا من يتخيل يوما يكون فيه جاره في المسكن عراقي نازح مشرد
او ..........عزيز قوم ذل...حاشا وكلا
الكل يدبج بيانات في حب العراق
وقليل من يريد لهذا العراق ان يخرج من كابوسه المرير وليله الطويل
....
في الغيتو العراقي الجديد ...حمل ذاك العراقي على كاهله موسوعة الحرب
ترك لعشاق التمثاثيل والجداريات تغنيهم بمقولة: احنة مشينة للحرب
وكأننا ماشون الى نزهة سابقا ولاحقا
ولهذا صار سهل يسير ان يضغط عراقي ضال على الريموت كونترول ليبيد بضعة مئات ممن شاركوه في الجبهات فيمزقهم عن بكرة ابيهم
وصار سهلا ان يقتص عراقي من بضعة عراقيين ذبحا بلا رحمة وتهجيرا وترويعا
كلهم عادوا من حروب القبيلة/ الدولة متساوين
لكنهم مختلفون في التعبير عن الجريمة المزينة بالآيات والخطب وديباجات الوطنية
ولهذا كان الرحيل المر...قصة وطن يلفظ ابناءه ............

Monday, September 3, 2007

في مديح الفشل


في مديح الفشل


ليس مستغربا ان يكون هذا الكائن الرعديد- الأنسان - فاشلا ..
لكن الفجيعة تكمن في عدم اعترافه بالفشل او بقيامه بقلب الفشل تألقا ونجاحا وفوزا وانتصارا ..
لأن لامعايير تحكم الأشياء في هذا الشرق العجيب ..
فقد وجدها الفاشلون فرصة للتغني بفشلهم ..
حتى جاء يوما جيش الشعراء الهتافين من كل صنف ، العمودي القريض والحر والمرسل وصولا الى الشعر الشعبي ...جاؤوا زرافات ووحدانا للأمبراطور مدبجين المطولات التي تتغنى بفشله المريع في صورة مجد وانتصار ...
انا حائر في توصيف هذا الفصام المرضي عندما تتحول الأيديولوجيا الى اصفاد وحديد وعقل مدجن وثلة من الحشاشين من صغار الكتبة والأميين
ويتحول الفاشل الى صنم
حكام فاشلون تقريبا من حولنا وحولكم ..
لكنهم اباطرة وسادة وسواهم عبيد وصعاليك
لاتحدثني عن رومانسيات الثورة وشعارات المراهقة السياسية
فتلك العذراء الفاتنة ، الثورة- الأنقلاب ، ستتحول بعد الفشل في الحكم الى مجرد غانية لعوب يتقادم عليها الزمن الى عجوز شمطاء ليس فيها من بهاء الماضي شيء
هذا التأكسد الأيديولوجي هو عنوان الفشل
لكن المعضلة المستشرية المتوارثة ان لاوجود لعلماء الفشل.,..لاوجود في القاموس للأسئلة المدوية من قبيل : لماذا ؟ وكيف ؟ وقع الفشل ؟
ولهذا كان المحذوف الكلامي كناية عن حذف ترمومتر الفشل السلطوي
وفشل الفاشلون في ادارة عراق هو هذا من قبل ومن بعد
ودبج المدبجون القصيد المتبجح الكاذب ..ليغالطوا الفصاحة ويحولوا الفشل الى عجمة معرفية منطمسة
فالكل مصابون بالحول المعرفي ان هم اعترفوا وسلموا بالفشل
والكل فاشلون في عرف ولاة الأمر ان صرخوا : اوقفوا ايها الناس هذا الفشل
انه ان كان عاهة مزمنة في الجسد العربي
فلأنه عاهة يسوق لها دواء الأمم من مسكنات آلام الفشل منذ عقود وحتى اليوم
وعراق اليوم والأمس ليس مختلفا
هم جميعا على الوجهة ذاتها : نسكن (بتشديد الكاف ) جبهة ونشعل اخرى ، نقمع تيارا ونؤجج آخر ، نسكت صوتا ونطلق آخر
هذا الفشل في المسؤولية الأخلاقية عنوانه : ان هنالك من يصدق ان بأمكانه وبالأحلام الطوباوية ان يقلب المعادلة او يقلب الطاولة على اللاعبين
بينما مقامرته مع فئته هي اخرى تمهيد لفشل جديد من لون جديد
الفئوية والزحف على الظهر لن يقيم ذاك الكائن الأنساني المصنوع في احسن تقويم
لن يكرم تلك الآدمية التي اكلها الفشل في ان تكون
الآدمية ديست عبر جندية هي اقرب للعبودية والأحتقار وسوق طبقة العبيد الى المحارق
والآدمية ديست ومرغت بالوحل يوم جيء بأصنام السلاطين ابتداءا من الملك العضوض وحتى الساعة
وقيل للناس : بايعوا طوعا او كرها
فكيف والبيعة لزنديق او فاشل ؟
كل هؤلاء واولئك ..كان الفشل مختبرهم ..منذ لحظة الضمير الأولى
الضمير الذي يصرخ في من شرب كأس السياسة : اين انت من الفشل ؟
الضمير الحي دفع قادة وزعماء وعمال الى العدول عن البلاط والصولجان درءا للفشل
وتحوطا من خرقة بالية سترمى عليهم وهي ارذل العمر الذي يلاحق الكل
وكذا الأمم : تفشل ..وترد الى ارذل العمر
حتى لاتعلم من بعد علم شيئا
افتحصي الأمم المتطاحنة المتصارعة قتلاها ؟
افتشعر بالفشل والخزي وهي ترى الدم والأشلاء والثكالى والأرامل وعواصف الموت تزحف في الدروب والمفازات ؟
فأما سقط البريء عابر السبيل ..وهو واحد لاغير ..فقد فشل الجاه والسلطان..وفشلت الأيديولوجيا وديس المبدأ واحتقرت حصانة الكلام
ولهذاكانت قصة حقا ..هي يوم قتل العبد الصالح ذاك الغلام وجاء بشيء نكرا
اقتلت نفسا زكية ؟
السؤال الأستنكاري من موسى للعبد الصالح
وان هو الا غلام ضال ....لم يتبين منه خير
فكيف والفشل يتربع على حصاد الحاصدين بمئات الألوف .. ياللهول ..
الحصاد المر ..الوحشية وازمنة البرابرة الذين يفتكون بالمقدس وسيذيقون الناس طعاما ذا غصة وعذابا اليما
الشيطان الأرضي الذي علم وعوله وغيلانه فنون الأبادة
بينما وعاظ الشيطان هم الذين يدبجون قصائد المديح للجندي الأمبراطوري الهمجي القادم
كمن يدبجون قصائد المديح لقتلة ابناء جلدتهم
الفشل هو الفشل
الكل يبيعونه ويهدونه
يوزعونه ويلقنونه للناس
يرضعونه للأولاد الصغار
كراهية ومقتا وحقدا وسعارا حيوانيا وضغائن همجية
ويحسبون انهم يحسنون صنعا
.......
ايها الفشل
ايها الدستور الأرضي
انت محكمة الآن..وقاضي الزمن
ترمومتر النفاق والهراء والأحلام المستعارة
انت صرخة الضمير المدوية في زمن عزت فيه الكلمات وشح فيه الأمل
انت الشاهد الأرضي / السماوي على جرم الأنسان ..
(من يفسد فيها .........ويسفك الدماء )....يالحلمك بعد علمك يارب الأنسان
انه الفشل .. الفطرة الناتئة الكامنة
الرحمة الأرضية والسماوية
لمن نظر في عيني قلبه وصرخ :
ياايها الناس ..اني وليت عليكم ..اني تسلطت عليكم ..اني قطعت الدروب عليكم ..اني وعظتكم زورا ..وافتيت باطلا ..وسننت الكلام زورا ..ودبجت البيانات كذبا ..وعقدت المؤتمرات الصحافية نفاقا ..وجعلت بعضكم يضرب رقاب بعض ..
ياأيها الناس : انا الفاشل .. الفاشل في هذا الزمان
فلتسامحني الأرض قبل السماء ...
فمن ينظر في عيني قلبه ..من؟ من؟ من ؟

2007

Monday, August 27, 2007

بورتريه امرأة مجهولة UNKNOWN WOMAN PORTRAIT

بورتريه امرأة مجهولة



قالت :
انا امرأة من دخان ، اتكور في زمن مجهول ، ادور حول نفسي وأتحول من حال الى حال حتى اغدو امتدادا لتحولات المادة وأصير دخانا ...
يمكنني التنقل في حجرات المنزل وفي اجزاء المكان ، كما احلق حول ملجئي وأطير روحا مرفرفة خفيفة من دخان ..
اتخلق في مديات احلامي ، وأطير دخانا على مكان نزوحي القديم ..
انا من فلسطين ، من مخيم الشاطئ ، انا شاهد على النزوح والجلاء ومخيمات اللاجئين ومدارس الغوث .. وها أنا دائرة من دخان في ملاعب طفولتي ... هنا في قلب الحدث : بغداد .
من الذي جاء بالدخان وجعل سيكارتي دالة علي ؟ ، هذه الماركات الأستعمارية لسكائر تعود الى سلالة سيجار تشرشل وسيجار هافانا وصولا الى سيجار طارق عزيز ...
ميامي وهوليوود ثم سومر وبابل والرشيد وكليوباترا وروثمان وكاميل وكمران .. و .. , وبقي الدخان هو الدخان ... ربما كان سبب الأختلاف اني قلت للطبيب انك على خطأ وأنا اكثر حيوية ونشاطا مع الدخان وأكثر بؤسا من دونه .. ولهذا قال ... انها حالة سايكولوجية محظة .. وأما القبلة الذابلة فقد تلاشت وذوت بسبب طعم الدخان وذوت الشفاه بسبب طعم الدخان الممزوج بالقهوة ..
واعترف بذلك .. ان القبلة الأولى هي التي جعلت ذاك الغلام ينفر سريعا .. بطابعه الوسواسي العريق ... ان الدخان والقهوة اسباب كل المصائب التي نمر بها ... ولو جمعت الأموال التي انفقت على الدخان لصرنا اباطرة وسلاطين ، نحن معشر الفقراء والموظفين الصغار ..
المفاجأة اني وجدت قلما في شكل سيكارة فاشتريت علبة كاملة .. ومصباح النوم في حجرتي طورته وصار في شكل سيكارة .. ونظرت في القاموس النسائي فوجدت اجماعا ان من تدخن فهي اما امرأة مسترجلة او معطوبة سايكولوجيا ..
مرت سحابة الدخان ، بالقرب من وجهه الشاحب ، ومفرق الشيب الذي بدا ناصعا على جانب شعره ، ودون ادنى اكتراث .. كان يحدد قراره .. انه سيغادر حتما ..
كانت غرفة المحررين قد خلت الا منا .. ورئيس التحرير ودعنا وبروفات الجريدة دخلت المطبعة .. اما هو فقرر ان يقول كلمته : سأذهب ... قلت له : لاسبيل لأسترجاع الكلمة او تصورها في هذا المكان ... ولهذا مسكت يده وخرجنا ... في شارع الكرادة وقد حل الخريف وبدأت ريح هادئة منعشة تضرب حدائق الورود ، توقفنا ... وأدرك حاجتي للدخان .. فتح زجاج السيارة وأشعل سيكارتي .. كانت تسريحتي لذلك اليوم نحسا علي ، فقد اتخذت تسريحة ( ولادية ) كما سموها .. تسريحة شعر قصير شبابي وعملي .. حتى بدوت مسترجلة بحق وحقيق .. ياه اشياء عجيبة تحصل لنا ..
احاط الدخان الزجاجة الأمامية ولم يكن من سبيل للوداع بقبلة او عناق او ماالى ذلك .. فقد طغى الدخان على المشهد .. وسمعت كلمة واحدة من كل النشرة الخبرية التي كان يستمع اليها ..
ا ..ن ..ت ..ف ..ا.. ض..ة
كأنني غفوت .. او ربما تعمقت في تأملي الفتاة التي عند منعطف الدار .. الفتاة المكتنزة البيضاء التي خرجت لتلقي نظرة على من يطرق الباب الخارجي .. وعرفتها فورا وياللعجب وكدت اناديها بأسمها ..
فلو قلت ( دخان او smoke ) لهرعت الي ولأسترجعنا ايام غرفة الطالبات في الجامعة حيث كنا نتبادل السكائر وقصص العشاق . لكن سربا من العصافير كان قد مر والتحقت بالسيدة ثلة من الأطفال .. وتأكدت انها اصبحت في عالم آخر اذ اشترط الزوج ان تقلع عن الدخان كي يشبكها بخاتم الزواج .
قلت له .. نحن في خريف الثورة .. وأنت تريد ان تحيي التاريخ ..
استغرب كلماتي .. وقال باستخفاف .." عن اية ثورة وأي تاريخ تتحدثين بالله عليك ؟ " .
انا اريد ان اهاجر .. اعاني تمزقا حقيقيا .. اريد ان اعيد اليك انوثتك المسلوبة ..
ان تعودي كما كنت يوم شاهدتك قبل سنوات ، يوم همت بك ومنعني كبرياؤك من ان ابوح بمكنونات نفسي .. ولست اصدق الآن انك هنا .. في مكان يجمعنا .. ولكنك قد تحولت الى كيان آخر ..
من فضلك عودي سيرتك الأولى ... من فضلك حررني انت من عبودية النار والدخان اذا شئت .. عود ثقاب يحرق المملكة .. وعود ثقاب يحرق دفتر التاريخ المزيف .. ويصبح كل شيء دخانا ..
ماذا بقي عندي .. هاأنا قد تجردت من كثير من اثقال الأنثى .. فقدت عدة كيلوغرامات من وزني ، لم يعد هنالك ردف يثقل حركتي ولا ساقين مترهلتين ، ولا صدر بمقاس ( اكس لارج ولا حتى لارج ) ولا كرش ولابطن ولا رموش صناعية ولا شفاه مطلية .. . هاأنا ... جاهزة ان اشتعل واتحول الى دخان ... مد يده .. ورسم على الزجاج دائرة ووضع نقطة .. ثم غمغم :
"سأعيدك سيرتك الأولى .. لكن .. لكن ساعديني .. استعدي من فضلك لذلك .. اتركي شعرك اطول وتناولي الفيتامينات من اجل نضارة الوجه .. ولابأس ان تزدادي بضعة كيلوغرامات .. بصراحة .. بصراحة .. انا سأكون دبلوماسيا بعد بضعة شهور .. وافترض ان سيدة يفترض ان تقف من ورائي وألى جانبي .. ".
كان الدخان قد غطى وجه مدن اجهلها من قبيل اطلال المخيم التي لم ارها الا خيالا في المرويات العائلية القديمة ..
دخان كان يغطي مضارب نزحنا عنها جميعا وبما فيها جلسات طفولة ومراهقة ، ولقاءات حب مختلسة ، اما هذا القانون الأرضي الذي شرعناه في السيارة من اجل ان اعود سيرتي الأولى فهو نقلة نوعية من حياة الأمم ..
لاأدري من اين تسللت المفردة ( حياة الأمم ) ، ولا ( النقلة النوعية ) في حياته وهو يتحول الى دبلوماسي من اهم مهماته ان يدين ويستنكر .. . ويصنع لغة دبلوماسية شاحبة كما هي لغة الدبلوماسية في بلاد العرب اوطاني ..لغة تطيل عمر الكائن الذ ي يملك مفتاح العاصمة وفيما يقصر من عمر الرعية ..
ترك لي متسعا ان افكر وأجيبه .. لكنني كتبت له على الزجاج .. ( سأواصل التدخين حتى النصر ) .. وأغلقت الباب ومشيت عند الغروب في شوارع وأزقة هادئة تتفرع من الكرادة .. وكنت ادخن وامزج كل نفس من دخان بصرخة وحشية تنبعث من سيارة عابرة حتى استنفدت سجائر ميامي ..
ببنطلون الجينز والكنزة السوداء ،والحذاء الرياضي ، بالشعر المقصوص والوجه بلا مساحيق ، من سيتحرك قلبه نحوك في نظرك ؟
مرت كلماتها .. وهي تتربع على عالم من العطور والماكياج والبدانة والملابس الضيقة والأماكن المعلنة من الجسد برسم الأغراء العام ..
كانت صورة مشاكسة ، نفخت عليها الدخان كمثل دخان السحرة ، وشاكستها واغلقت الباب من خلفي .. وتكونت من ورائي خرائط دخان جديدة ... مصحوبة بسحب النميمة ...والرثاء الجميل ...
كأنني في صالة قمار : تخسر الفتاة انوثتها بهذه الملابس وقصة الشعر ، وتخسر الفرص تباعا لأنها نفثت في وجه رجل الدخان ...
وهاهي ... اسطورة من دخان ...
تمضي في شارع نصف مضاء في ليل خريفي .. لتقول له : من فضلك ... هلا ارسلت لي دخانا مستوردا يوم رحلتك الدبلوماسية الهانئة ..؟
2006
القصة من مجموعة بورتريه امرأة مجهولة
اللوحة للفنانة العراقية عفيفة لعيبي

طفل الأمبراطورية THE EMPEROR`S CHILD


طفل الأمبراطورية

(اهداء :الى اطفال العاصفة الذين تشربوا اليورانيوم المنضب قهرا نخب السادة الكبار).
................................................................................................
عنــدما بـزغت شمس الإمبراطورية تكاملت البهجة وأنتشت روح جديدة ، روح مجيدة طالعة ، فـريده ، تحفها أصوات الكـرنفال وخطب المشـاركين الكبار في صنع ذلك المجد الباهر الكبير، أفــواج المبوقين وضاربي الطبول الأبنـاء الأشــاوس الذين صنعوا ذلك الوجود الفـريد .. كلهم جميعا يلتقون على صعيد واحد ، صعيد التمجيد والمباهاة ، الناس كبـاراً وصغارا ًومن شتى الأجنــاس ينشـدّون كما تنشـدّ الفراشات للضوء ، هاهم ينشـدون طـائعين متغنين لهذا الذي يـرونه ويسهمون في صنعه بحماسهم وصراخهم وصخبهم ونشـوتهم وغرابة أطوارهم ، يلوذون بالغابات والأماكن الـرخوة البعيدة ويختلـون مع أنفسهم ومـع أقرانهم ليؤججوا ذلك الأوار العارم الذي جاءت به الإمبراطورية وحتى أولئك الحـراس القدامى وهم يجولون بحواماتهم أو مركباتهم العابرة يشـدون على أيدي أولئك الأبناء عشاق الإمبراطورية الذين يلعقون حـلاوة أيامها ويلتهمون مكاسبهم ولا يتوانون عن التعبيـر عـن أنفسهم بالشعـوذة والجمـوح والضجيج والافتعال .
وهنـاك غير بعيد عن شمـس الإمبراطورية وكـرنفالها في أمـاكن مخبأة نائية ظليلة يغمرها الدفء وتغشـاها الحـركة الـدائبة..
هنــاك .. كانـوا يتوارون عـن الأنظــار بأقنعتهم وبزاتهم الغـريبة .. ثلّة من الكائنـات الصـامتة التي تمشـي داخـلة خارجة ، طالعة هابطة بلا هوادة .. هنـاك .. كانـوا يدبـّون كالخرافة ويصنعون للإمبراطورية مصدّاتها الشوكية .. صولجانها .. وذراعها القاسية كانوا يستخلصون من خطاب الإمبراطورية وبرتوكول المستشارين حقائق مؤكدة .. ليست المصدّات الشوكية ألا إحداها .. ولذا امتدت الرحلة طويلاً بأولئك الأشخاص الصامتين القابعين في القاع .. الذين يصنعون المصدّات الشوكية ولذا كان من دلالات كل ما أدركوه أن قوة ما .. غاشمة مجهولة .. أن لم تكن هناك في مرمى البصر حاقدة عدوة .. فيجب صنعها لتجريب المصدّات الشوكية في أجساد أفرادها .. يجب أن يعلنــوا إلى الأبـد أن الإمبراطورية تملك أسرارها التـي تنتظم لها المجالات والفضاءات والبــلدان ..
ولــذا مر حشد من المشاورين الكبار ببدلاتهم السوداء وأحذيتهم اللماعة ذات الأعناق الطويلة ورؤوسهم الصلعاء …مروا مثل سحابة كحلية هبطت على الأرض القفراء على رمال الجزيرة البعيدة ..وجاءوا بأشباه السحرة الذين يرون ما يكمن في القاع من عين خفية ..عبر مهاميز ومجسمات ترتبط بكوكب الإمبراطورية أو حزمة أقمارها المسؤولة عن الوشايات والنبش في أحوال الناس عن بعد .. وبعدما ما هبط أولئك المشاورون مرت بالقرب منهم قافلة من الجمال الضالة .. وتأكـدوا أن مثــل هذه الظـواهر لا ينبغي لها أن تكون أو تستمر .. فلا حيـوانات ضالة .. ولا أحد من حقه في هذه الفلاة أن يقول أن الرمل لي .. فالـرمال ملك للطبيعة ولكلّ امرئ الحق في أن يـرتمي عليها ويغوص في أعماقها .. ولذا كانت المصدّات الشــوكية هي الأداة المناسبة لوضع كلّ شئ في نصابه .. إذ بهــذه الاسواط التي يسخر حاملوها بأنها ( سلَطَة ) منوّعة من المعادن الكوكبية تم صنع تركيبة خاصة منها تنطلق عن بعد عبر الفضاءات ومدى القارات وتستقر حيث تشاء لتفتك بذلك الرمل السائب . تبقـى كامنة فيـه دهــوراً طوالا ًفلا يقـوى من لا يرغب في الإمبراطورية إلا أن يسلم بحقّها في كـل الأشيــاء .
والمهم عند ذاك .. أن محصلة أخرى كانت تتخلق وهي ذلك الرذاذ الجميل الذي صنعته الإمبراطورية بصبــرها وكدّها .. الــرذاذ الذي يمر كسحـابة العطر على شتى البقاع..
***
ولذا صنعوا هناك سحابة صغيرة اهدوها لغلام يافع من تلك البلاد البعيدة .. جاؤا به حافيا ًجائعا ًخائفا ًدون أب ولا أم .. إذ تـاهوا كما تاهت الآلاف المؤلفة في البيداء وحفت بهم المصدّات الشـوكية وأبقتهم كما هـم أرواح طائـرة تتسـامى في الملكوت .
أما الغلام فكانت حاله نتاجاً لعبقرية جديدة .. أن يعبروا له عن ذلك الإحساس الإنساني النبيل فيهدونه غيمة عطر داخل علبة براقة جميلة ومتى اشتاق لها فتحها فلفحته بغبارها الجميل .. ولانّ أولئك الذائدين عن الطفولة الجريحة هم أكثر عطفا ورقّة حاشية فقد أرادوا تخليص الأولاد من عبث آبائهم وشجن حياتهم .. لذا وجدوا { الغلام الإمبراطوري الجديد} ضالّتهم هكذا أسموه وجدوا فيه ما يحقق الأحلام كلها ..
لذا اكثروا من حوله علب الغيوم الماطرة بالرذاذ والغبار الجميل وسط هذا وقبل أن ينغمر الغلام في تيه تلك السحابة الحالمة أقيم الكرنفال السري الذي بموجبه ستغمر غيوم الإمبراطورية المخبأة أفق الأقوام الأخرى لتضلل غمامات العطر مزيداً من الأولاد اليافعين .. كان احتفالاً صامتاً توارى فيه المشاورون والغرباء خلف واجهات زجاجية ضخمة وأختبأوا في صناديق بلورية وارتدوا واقيات وكمامّات مزودة بخراطيم حلزونية طويلة وقرون استشعار متعددة .. وكان أنصاف السحرة بملامحهم الهجينية يعدون العدة لما سيجري وسط شاشات عملاقة شكل الرمل قاعدتها فيما بدت هناك أبراج كبيرة ومراجل ومستودعات ولاحت في الآفاق طيور حديدية نفثت حمماً فظيعة وتلوت وصعدت وهبطت وخلفّت ورائها سحبا ًصغيرة مخصصة للأجيال الطالعة من رحم الإمبراطورية . سرت في دخيلة القوم إمارات السرور وخيلاء الانتصار .. وهم يرون الطيور المسحورة تفتك بتلك الأرض الصحراوية وتستبدل شمسها الساطعة وهوائها النقي بالسحاب الإمبراطوري والرذاذ المعطر.. وتغرس هنا وهناك مصدات شوكية ولوده ستبقى إلى عدة مليارات من السنين وهي تتناسل وتكثر .وفي أفق رمادي مغلق جاءت رافعات آلية بجسد ذلك الغلام العاري وبمجرد أن تعرض للموج المنضب حتى طفى على سطح هلامي سابحاً في موج هيدروجيني كاشفاً عن أعضائه كلها وراحت تنبت في خلايا الغلام مصدات شوكية معدنية صغيرة سرعان ما تتعملق وتمتلك رؤوسا كرؤوس الشياطين .. بينما كانت صناديق الغيم تنفتح على التوالي وتنطلق منها تلك السحب المعطرة .. والغلام يجري تحليله إلى عناصره بينما كان نشيد الإمبراطورية المهيب ينطلق في الفضاء الشاسع وسط نشوة الانتصار بولادة طفل الإمبراطورية الناضب الذي صار له نصب كبير وارتبط باسمه ووصفه بعشرات الآلاف من الأطفال في شتى بقاع الأرض الذين يجري رزقهم بالغيم المعطر ، وإهدائهم الصناديق البراقة ويجري تدريبهم وتهيئتهم لتقبل المصدّات الشوكية في أجسادهم الرخوة كي يكونوا رمزاً للإمبراطورية التي يحفها الحفاة والعراة والأباطرة على السواء وهم يلمحون صباحها البنفسجي وموسيقاها وعبقريتها وشراب الرفاهية الذي تسقيه للخواص من أصدقاء ارض الإمبراطوري.
***
في المدى المجهول .. كان هنالك رجل صغير وأم نحيفة يطلون عبر الفضاء الصحراوي القاحل ويحملقون في السماء البعيدة منتظرين قدوم الغلام الذي غشته غيمة الإمبراطورية وظنوا إنها مجرد سحابة صيف عابرة لكنهم وعبر المدى رأوا أفواجاً من الرجال الصغار والنساء النحفيات وهم ينتظرون أبنائهم الذين التحقوا بطفل الإمبراطورية الناضب.
2000
القصة من مجموعة قربان المدن السعيدة
اللوحة للفنانة التشكيلية عفيفة لعيبي

وجه السحابة البيضاء THE WHITE CLOUD FACE



وجـه السحابـة البيضـاء




عبـر الممر الطـويل ، تتـوزّع الغـرف البيضـاء الصغيرة ويستسـلم الحي للـرقاد الجميل ، بـدت المـداخل مهجورة ،وغابت أصوات الصغـار ، لكنها خرجت بنشـاط لتسبـق وقت التحاقـها بالمستشفى بسـاعات ، حملت قميص التمريض الأبيض وغمرها عطـرها المفضل فأنعش فيها لـذة الحيـاة المقيمة في داخلـها ، الحياة الصغيرة المسالمة الهادئة ، تركت صوت الأم يأتيها ناعسـا بعيـدا وهي تودعها وقد غـط الباقون في قيـلولة ناعمة ، بدا هيكل المبنى بين الأشجار السـرو المتراعشة المصطفة بانتظام وكأنه مركبة فضائية وقد حطت على رؤوس الأشجـار ، وتدفقت فجأة رائحة الأريج الربيعي المنعش فارتوت نفسهـا الـرقيقة ، ولـذا تدفقت عبـر شفتيها الرقيقتين تـرنيمة قديمة عاشت معها سنينا هي مـزيج من الشعر وإيقـاع الموسيقى وعاد إلى سمعها صوت الفتاة اليـافعة التي كانتها وهي تـرفع سمـاعة الهـاتف فيأتيها النغم شجيا مبهجا ، صوته المنغم العذب ، نفسـه الرجولي الذي يذكي فيها تدفق الأنثى وتألقها ، عاد الصوت وعادت معه لمسـة الكف الخشنة المألوفة وتتابعت عبـر الممر المؤدي إلى الحدائق طرقات وقع خطاها في تنغيم متصل أمتزج مع سيرها الواثق ، بجسدها الرشيق وقامتها المتناسقة الملفتة ، ولم تكـن الانتقالة من أريـج الحدائق إلى روائح المعقمات وهواء المستشفى ألا امتدادا لشخصيتها المحلقة الحالمة ، وجدت نفسها وسط سحابة من الابتسامات والمداعبات والكلمات المشاكسة من صديقاتها ، سلسلة من الكائنات التي ترفل بالبزات البيضاء الناصعة تقطعها بين حين وآخر كتل خضراء كاملة لممرضين وممرضات وأطباء خرجوا توا من غرف العمليات أو يهمون بدخولها ، وكعادتها عندما يلوحون لها تتضرع مع نفسها ضراعة خاشعة للـرب كي ينقـذ أولئـك البشـر المستسلمين لـرقاد التخـدير بانتظـار المشـارط والسـكاكين .
***
في مفكرتها ..كانت هنالك أسماء وأرقام هواتف وعناوين إلكترونية وبريدية لأصدقاء وصديقات ,امضوا مدة التدريب في المستشفى الكبير ثم غابوا ..شعرت أنها وريثة تاريخهم ,فالأولاد انشغلوا في حروب البلاد ,,,,وغابوا في مستشفيات الميدان ,وأَُسر من أسر منهم وعاد من عاد بعد حروب طاحنة ومخاضات عسيرة….
يومها سألت عن رجل ما …شخص تختلط ملامحه بوجوه تلك الثلة الجميلة من الأصحاب وقيل لها انه ظل طويلا وهو ينشغل بإجراءات هجرة إلى بلاد مثلجة بعيدة …..وأنه ترك مهنة التمريض والمستشفيات واشتغل بتجارة العملة في السوق السوداء …لكن انكسارات رهيبة كانت تلاحق هذه السوق ومطاردات وأحكام قضائية شنيعة,ولذا قرر أن يحمل ما تبقى لديه ويلوذ مهاجراَ الى ارض ما ..وهاجر أو غاب أو… أو..لا تدري .. سوى انه هو .. كما كان رجلا اختصر عليها دروب الكلام وقلق الأنثى وتغلغل في قرارة إحساسها لكنه لم يكن مغوياً ولا لعوباً ولا صياد نساء..بل كان رجلاًوانساناً فحسب..طارده نحس الجيل وهزائم الحروب ومآسي التحولات فلم يعرف كيف يحيط بالمشهد كله ولذا دهمه النسيان .
هاجر ا خوانه واغتربوا توزعوا في بلدان عدة وأخواته تزوجن ووالديه فقدهما في قصف وحشي لملجأ مدني في البلاد …ولم يبق من السلالة إلا ّهو..كان يعزف على الكمان..قال انه كان في قرارة الحروب التي كان اسم "الكريهة" يرافقها..كان يتدرب على العزف ..وظل يغني بانسجام في حديقة الجامعة ..ويرنو لعينيها بعفوية وود..ثم غاب وغاب الكمان والكلمات وتسللت شعيرات الشيب ..وبقيت هي كما هي.
***
تقشعت السحـابة البيضاء لتـدخل في الممر الـذي تشبع بأنفاسـها وأصداء موسيقاها المفضلة ، وتلوح الصـور التي علقتها منـذ زمـن ، ثم آيات من القرآن الكريم ، وحتى وهي تستبـدل ثيـابها بالحلة البيضـاء الناصعة وتلسعها ، بـرودة الجـدران فأن ثم كلمات تأتيها غمامـة ناعمـة تحف كيانها فتـزيدها حبــا.
فجأة قرعت أجـراس الإنذار في غرفة الاستدعاء ، وتدفق النـداء عبر مكبرات الصوت وتراكض الممرضون والممرضات وتتابعت العربات ، ارتدت ملابسها سـريعا والتحقت بقسم الحالات الطارئة والمستعجلة ، وبـدأت سيارات الإسعاف تقدم كائنات مـدمّاة ومشوهة من جراء حادث مـروع وتهيأت بكـل قـواها للموقف وكان وجـودها في المكان مبعث ثـقة الجميع لأنها تحـل في اللحظة الحاسمة كمالوأنها كانت محلقة وحطت في وقت الأزمة ولهذا امتلأ ملفها بكتب التقـدير والتكريم والإطراء .. لكنها وهي تتبـع إحدى العربات والطبيب يردد أسماء المصطلحات الطبية وهي تكتب والجسـد مسجى أمامها وقد تكـور في هيئة أثـارت إحساسها العميق المتجدد بالإشفـاق ، وجـدت نفسها وهي تسحب بكف مكدودة شـديدة ، كانت كف ذلك الجسـد المسجّى وقد ارتفعت لتمسك بكفها بقـوة ، امتد شعاع ليزري غمر جسدها كله بقشعريرة شرسة ، وأحست بالهلع لأنها أستنتجت أن ذلك الجسد يعيش لحظاته الأخيرة وحاله حال من يتشبث بقشـة من اجل أن ينجو من الغرق وتجسمت في كيانها كله أصوات الاستغاثة الملتاعة ، لذا سرعان ما انحرفت بالعربة نحو الصالة القريبة وسط دهشة الطبيب والمسـاعد وراحت تخرج من الأدراج عقـاقير المعالجة السريعة وأدت كل شئ بسـرعة وثقة بينما كان الكيـان المسجى قد تلقـى التنفس الاصطناعي وراحت شاشة النبض تعلن عن استمـرار الحيـاة ثم نزول خطها البيـاني وسط قلقها هي واعدادها جرعات المرحلة التالية .
وتنقلت عينها بين صورة النبض وبين تساقط قطرات محلول الجلوكوز وبين الكف المكدودة الـدامية التي مسكت بها ووجدت نفسها مندفعة بحركة آلية نحو زجـاجة المعقم لتنظيف الوجه من البقع الدموية القانية ، ووسط الإغماء ، راحت صورة العين المغمضة تتجسم لها وكذا الحاجب والأنف الشامخ والفم ، عندها ارتجفت كفها ثم اندفعت تسرع في تنظيف الوجه ومع تتابع مكونات الوجه عـادت أليها صورة الحديقة المروية ، صوت الضحكة ، الشعر ، حركة الشفتين ، الموسيقى ، الكتاب الأول المدينة القديمة وعادت كفه الخشنة المتشنجة لتستقر على كفها فتشنج جسـدها كله وصرخت من قـرارة الماضي باسـم رجل تكتشفه بعـد أزمان ومنـذ زمـان وهي تبحث عنه لتشـاهد الخط البيـاني ينحدر سريعا وهي تمسك بالكف متشبثة ومنـاشدة وهي تنشـج بصمت .
1997


القصة من مجموعة قربان المدن السعيدة
اللوحة للفنانة التشكيلية العراقية عفيفة لعيبي